محمد حسين الذهبي
285
التفسير والمفسرون
التعارض بين التفسير العقلي والتفسير المأثور معناه التقابل والتنافي بينهما وذلك بأن يدل أحدهما على إثبات أمر مثلا ، والآخر يدل على نفيه ، بحيث لا يمكن اجتماعهما بحال من الأحوال ، فكأن كلا منهما وقف في عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه وأما إذا وجدت المغايرة بينهما بدون منافاة وأمكن الجمع ، فلا يسمى ذلك تعارضا ، وذلك كتفسيرهم ( الصراط المستقيم ) بالقرآن ، وبالإسلام ، وبطريق العبودية ، وبطاعة اللّه ورسوله ، فهذه المعاني وإن تغايرت غير متنافية ولا متناقضة ، لأن طريق الإسلام هو طريق القرآن ، وهو طريق العبودية ، وهو طاعة اللّه ورسوله . ومثلا تفسيرهم لقوله تعالى « فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ » « 1 » قيل فيه السابق هو الذي يصلى في أول الوقت ، والمقتصد هو الذي يصلى في أثنائه ، والظالم هو الذي يصلى بعد فواته . وقيل : السابق من يؤدى الزكاة المفروضة مع الصدقة والمقتصد من يؤدى الزكاة المفروضة وحدها ، والظالم لنفسه من يمنع الزكاة ولا يتصدق . وغير خاف أنه لا تنافى بين هذين التفسيرين وإن تغايرا ، لأن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات ، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات ، والسابق يتناول من يفعل الواجبات ويتقرب بعد ذلك بزيادة الحسنات ، فكل ذكر فردا العام على سبيل التمثيل لا الحصر . هذا وإن الصور العقلية التي يحصل فيها التعارض بين التفسير العقلي والتفسير النقلي هي ما يأتي : أولا : أن يكون العقلي قطعيا والنقلي قطعيا كذلك . ثانيا : أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا .
--> ( 1 ) في الآية ( 32 ) من سورة فاطر